الآلوسي

219

تفسير الآلوسي

غيري لأجعلنك من المسجونين ) * ( الشعراء : 29 ) . وثانيها : أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها مع أنه كان في عنفوان الشباب وكمال القوة ونهاية الشهوة عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول : إن يوسف قصدني بسوء وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، وليت الحشوية كانوا يكتفون بمثل ما اكتفت به ، ولكنهم لم يفعلوه ووصفوه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بما وصفوه من القبيح وحاشاه . وثالثها : أن يوسف عليه السلام أراد أن يضربها ويدفعها عن نفسه وكان ذلك بالنسبة إليها جارياً مجرى السوء فقولها * ( ما جزاء ) * الخ جار مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تقريد إقدامه على دفعها ومنعها ، وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي انتهى المراد منه ، وفيه من الانظار ما فيه . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما أو عذاباً أليماً بالنصب على المصدرية كما قال الكسائي : أي أو يعذب عذاباً أليماً إلا أنه حذف ذلك لظهوره ، وهذه القراءة أوفق بقوله تعالى : * ( أن يسجن ) * ولم يظهر لي في سر اختلاف التعبير على القراءة المشهورة ما يعول عليه ، والله تعالى أعلم بأسرار كتابه فتدبر . * ( قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ ) * * ( قَالَ ) * استئناف وجواب عما يقال : فماذا قال يوسف عليه السلام حينئذ ؟ فقيل : قال : * ( هيَ رَاوَدَتْني عَن نَّفْسي ) * أي طالبتني للمواتاة لا أني أردت بها سوءاً كما زعمت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسه عن التهمة ودفع الضرر عنها لا لتفضيحها . وفي التعبير عنها بضمير الغيبة دون الخطاب أو اسم الإشارة مراعاة لحسن الأدب مع الإيماء إلى الإعراض عنها كذا قالوا ، وفي هذا الضمير ونحو كلام فقد ذكر ابن هشام في بعض حواشيه على قول ابن مالك في ألفيته : فما الذي غيبة أو حضور الخ لينظر إلى نحو * ( هي راودتني ) * فإن * ( هي ) * ضمير باتفاق ، وليس هو للغائب بل لمن بالحضرة ، وكذا * ( يا أبت استأجره ) * ( القصص : 26 ) وهذا في المتصل وذاك في المنفصل ، وقول من يخاطب شخصاً في شأن آخر حاضر معه قلت له : اتق الله تعالى وأمرته بفعل الخير ، وقد يقال : إنه نزل الضمير فيهن منزلة الغائب وكذا في عكس ذلك يبلغك عن شخص غائب شيء فنقول : ويحك يا فلان أتفعل كذا ؟ تنزلاً له منزلة من بالحضرة ، وحينذ يقال : الحد المستفاد مما ذكر إنما هو للضمير باعتبار وضعه اه‍ . وقال السراج البلقيني في رسالته المسماة نشر العبير لطي الضمير المفسر لضمير الغائب إما مصرح به أو مستغنى بحضور مدلوله حساً أو علماً فالحس نحو قوله تعالى : * ( هي راودتني ) * و * ( يا أبت استأجره ) * كما ذكره ابن مالك ، وتعقبه شيخنا أبو حيان بأنه ليس كما مثل به لأن هذين الضميرين عائدان على ما قبلهما فضمير * ( هي راودتني ) * عائد على الأهل في قولها : * ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً ) * ( يوسف : 25 ) ولما كنت عن نفسها بذلك ولم تقل بي بدل * ( بأهلك ) * كنى هو عليه السلام عنها بضمير الغيبة فقال : * ( هي راودتني ) * ولم يخاطبها بأنت راودتيني ، ولا أشار إليها بهذه راودتني وكل هذا على سبيل الأدب في الألفاظ والاستيحاء في الخطاب الذي لا يليق بالأنبياء عليهم السلام ، فأبرز الاسم في صورة ضمير الغائب تأدباً مع العزيز وحياءاً منه ، وضمير * ( استأجره ) * عائد على موسى فمفسره مصرح بلفظه ، وكأن ابن مالك تخيل أن هذا موضع إشارة لكون صاحب الضمير حاضراً عند المخاطب فاعتقد أن المفسر يستغنى عنه بحضور مدلوله حساً فجرى الضمير مجرى اسم الإشارة ، والتحقيق ما ذكرناه هذا كلامه . وعندي أن الذي قاله ابن مالك أرجح مما قاله الشيخ ، وذلك أن الاثنين إذا وقعت بينهما خصومة عند حاكم فيقول المدعي للحاكم : لي على هذا كذا : فيقول المدعى عليه : هو يعلم أنه لا حق له علي ، فالضمير في هو إنما